الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
المنتدى الجديد انتقل الى موقع اخر www.qa-g.com

شاطر | 
 

 البناية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد أعشبون
مبدع
مبدع


الجنس : ذكر
الابراج : القوس
عدد الرسائل : 78
تاريخ الميلاد : 12/12/1971
العمر : 44
الدولة : بلد الطواحين الهوائية
الهواية : الشعر الشعر الشعر والقصة قراءة وكتابة
المزاج : هادئ

مُساهمةموضوع: البناية   الأربعاء 9 سبتمبر - 20:13


البناية





(سأبني أفقا في بلادي،فلا تهدمه أيها النورس المهاجر)





إذا انتهى المكان، ماذا سيبقى من الزمن؟

سؤال أجهش مفارقة، وتوحدا في صمته، في غليانه، وفي عنفه الذي يؤاخي الشك في كل شيء، حتى في جيوبه الفارغة، وخطواته المنسية.

ترميه العشية الباريزية في أحد الشوارع الطويلة لتنهش خطاه غبار الأرصفة بعد يوم من الحركة. يرسم امتدادا في أوجاع يكابدها كلما تصور أن السحابة التي تنثر ماء على وجهه ليست بلون الأرض التي أطربت صباه، وأن واجهات المحلات بفساتينها وأضوائها لا تملأ فراغه الروحي كما ملأته تنورة أمه وهي تعود في المساء محملة بأتعاب امتدت من عمق الفجر حتى الخيط الأخير من حمرة الشفق.

يطرد الفراغ ويحاول أن يقصر المسافة بينه، وبين بيته المحاصر في عمارة قديمة مهترئة. هذه البناية التي قيل فيها الكثير، حتى أصبحت معلمة الأقاويل، فهي الوحيدة حسب الروايات، التي ظلت واقفة، صامدة بعد الدمار الشامل أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي كذلك احتضنت صبا أكبر المناهضين للفاشية و...

ينظر إلى الساعة التي في يده، والتي تقيس الزمن المغتصب، العقارب تزحف مليئة بالثقل، والغصص الجارفة، والأرقام القديمة تتكئ غير عابئة بما تدمره داخله من زلات مرتبكة، هذا الارتباك الذي يذكره، أو بالأحرى ينسيه سماحة الآخرين، المترجمة قبلا على خده، ليتطهر من عيوب الشمس، ويهاجر قلب الأرض التي منحته جنسية التراب والغبار، وعطرته برائحة المطر والطين.

هاجرها حيث المساء لا يشبه مساءات قريته، والنساء لا تشبه نساءها، بل حتى الخبز لا يشبه خبزها، فقريته تنتج خبزا أكثر سوادا من الذي يراه هنا. ففضل أحلاما أثثت بلاغة واضحة، هي بلاغة الضباب والجنون.

هو لم يكن أبدا مجنونا، أو شاردا مقطوعا، أو هو من فصيلة ليست آدمية، فقط كان يريد خاتمة بلون الدم. تستقر في جوفه حرقة الذكرى، فتشفعه خطوات مرتقبة للوصول إلى فراش وثير.

تسأله زوجته بحثا عن عطر الخيانة:
- أين تأخرت؟

وكعادته يرتكب إثما مشروعا في غياب أولاده الثلاثة، يخرب عصبيتها، ويحكي بعينيه حكايا إغريقية، تتفوق فيها المرأة الإله، وتحكم على الرجل / البشر، والذي تسري في عروقه دماء الآلهة، وتقع الحرب حيث الساحة رمل زجاجي، والسماء مطر يلطخها بالوحل، ثم القبلة، ثم النشوة، ثم الاسترخاء، ليتكرر الجواب صمتا، فتتركه يشيد نارا بين السيجارة والولاعة، بينما هي ترميه بالأسئلة من عمق المطبخ:
- سمعت أنهم سيرحلوننا من هنا.. صحيح؟
- لا أدري
- سيهدمون كل البيوت القديمة؟
- لا أدري
- هل ستفعلون شيئا؟

يحس بصدى التدمير داخله، يدمر ما تبقى من سيجارته تحت قدمه، ويستنبت خياله حتى يكمل تصوره حول مفارقة الزمان والمكان، بين الهنا، والهناك، بين قريته التي منحته الصبا، و " باريسه " التي منحته الحضارة/ الحلم. أراد أن يعرف باكورة الصدمات، وعنف الخذلان، والحلول المدفونة مع "فرويد" أو التي ولدت بموته.

لم يعد "سلام" يعرف نفسه، فقد عرفه الآخرون كما يشتهون. وكما لا يشتهون، واحد أحبه حتى الصبح الأخير، والآخر كرهه بمقدار هذه الغربة من الألم. جسد نحيل وطويل، عيناه فيهما من العمق ما في الكون من الألم، ورأسه المجلل بالشيب يحمل مخه، ومخه يحمل ذاكرته، وذاكرته تحمل ذكراه التي أحبها، وكرهها، أسمر اللون كتراب قريته، يفتض كل الأمكنة عله يصدر فتوى تجنبه صعوبة الاختيار، وينتقي أجمل ما في الفراغ من صمت كي يهمس في صورة البناية القديمة " هل ستصمدين؟ ".

شفاعته الأولى والأخيرة أن يتخيل نفسه جمجمة تتقاذفها أرجل من رصيف للآخر، من دمع لدمع، من لحظة فوضى إلى عنف الغباء، من خارطة الشوارع الفارغة إلى زحمة السلع الثمينة، وهو لا يتألم، ولا يرجو غير مستقر له تحت التراب.

تهيب به عاصفة الاستذكار إلى زمن خصب، ومكان قاحل محبط ينخرط في رسومات الجدران، حيث القرية الصفراء بشمسها، وسنابلها، وعشبها اليابس تستقبل صيفا غير عادي، يمتشق حلم اليافع الذي غاص في لذة المغامرة.

غادر قريته، وفي أنفه رائحة الطين المبلل بلمسات الماء العكر، لكنه لم يغادر عمق صدر أمه، ولا عيون الأحباب، حيث كانت هناك تترقبه، تملأ خرائطها بصورته. حين يتلفت يبكي، يحترق، والبعد وحده يخفي كآبته.

كان يسير في متاهة الطريق المنعرج، والمدثر بحصى صغيرة مشاكسة توخز رجليه بمكر وحنان، ومتاهة رأسه أعمق وأقوى، تنبثق من أسفل أحاسيسه حتى قمة الحزن والتراخي، تستحوذ فكرة العبور على كامل جسده، يتلفت مرة أخرى حيث الأحباب أجسام صغيرة ترفع الأيدي لترسل ذبذبات الوداع علها تخفف عنه وعنها زحف العتمة القادمة.

يهبط سلما من الأحجار، ويصعد طبقات من الطين الجاف، والحقيبة القديمة تتدلى من يده كبقجة امرأة هاربة من بيت زوجها.

يتمنى لو تزوج جنية المكان كما تروي الحكايات حتى يتمكن من البقاء مشدودا إلى أرضه، وليخالف صمت الأشياء المحبطة ليحرس قامات الأشجار من عطش الأيدي والفؤوس، وليحكى لكل عابر أنه اختيار الله، فهل يختبره على ترك كل عناصر الكون من ماء، ونار، وهواء، وتراب؟ وهل هذه الخطوات التي يخطوها تنحره، وتتسع كما الفكرة؟

تنقبض أعصابه، ويقبض بشدة على حقيبته، يتلفت لآخر مرة، ويهوي على العشب اليابس، وتنهال الدموع على خديه المنهكتين كما جسده حين يرى اختفاء الأحباب وراء التل.

تتنهد زوجته في المطبخ حين اعترتها فكرة الخذلان، والصمت الرمادي، والبناية القديمة، أهدت للأرض اللامعة كرتي دمع بحجم الرمان، ثم استهوت لعبة التدفق، وأيقنت أن دنياها زمن يسير ولا يعود، يفقد ملوحته كلما لمس لذة البقاء والنسل.

تبين لها أن لا جدوى من العودة الفاشلة إلى أسئلة تنكس صمت زوجها، وتحيله إلى كينونة غضب وإحباط، فرافقت سكونه، وامتطت حزنه، ثم هرولت إليه تعانقه، وتبحث في تباريح صورته عن زوجها، وعن العهد القديم.

تهامسا، تدفقا كينبوع، أو بالأحرى تغيرت فكرة الغربة الحمقاء، وتمنيا لحظة الصفاء في قرية صفراء، حيث المناجل تدغدغ أعناق السنابل، والبيت الطيني ينفث رماد الماضي، وحبات الحصى تشاكس الأرجل الحافية. تختلط الصفحات أمامها.. قرية في انتظار العودة، والبناية الباريسية القديمة ستحدث أزمة سكن.. لابديل، والحلم أقوى، وباريس أقوى، هذه المدينة التي جذبت وتجذب آلاف الأجساد، تتوسط عمق الأفكار والأحلام. و" سلام " حيث أنقاض الماضي لا تزال جاثمة كالقدر، فيرى الحقيبة التي شهدت لحظة العبور. فهل سيحملانها كما أول مرة ليغادرا البحر نحو الجنوب؟ أم أن فكرة الغواية لا تزال قادرة على سلبه؟ خاصة وأن البناية القديمة لا تزال واقفة، وحلمه واقف، والمسافة بين باريس وقريته بعيدة. يفتح نارا على كل الحضارة، على كل المحلات وعلى كل ذرة في تخوم حلمه، فتتساقط الجدارات واحدة تلو الأخرى، يبكي كما أول مرة، يهادن مكامن جلدته الضعيفة، يصمت، يستكين إلى نصفه. والصوت لم يتوقف، والهدم لم يتوقف، ينظر من النافذة، جرارات تحمل الأنقاض، والبنايات تتهاوى، أمتار وينتهي كل شيء، فيبتلع صدمة السؤال للمرة الثانية:
إذا انتهى المكان فماذا سيبقى من الزمن؟

باريـــس/فرنســا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بشرى
مبدع مميز
مبدع مميز


عدد الرسائل : 950

مُساهمةموضوع: رد: البناية   الجمعة 11 سبتمبر - 7:21

أحس دائما أستاذي "محمد" أن لسردك فرادة خاصة ، تقنيات عالية ، صيغ خيالية خصبة تلخص مختلف الأوضاع في القصة وفق غايات جمالية فيها من العمق والسمك والإثارة ما يجعل المتلقي يقظا ، مشدودا حتى النهاية ..."قصصك تفرض نفسها بنفسها"وما قولي بمجاملة .
عشنا المشاعر كلها هنا مع هذه الشخصية حزن ، ضيق ، حلم ، تمن ..ضمن
"ازدواجية "الزمان والمكان "، الماضي : هناك في "القرية "حيث جنسية "التراب والغبار" التي منحته "عطرا برائحة المطر والطين" حيث صدر الأم ورفقة الأحباب والحنين الدائم...الحاضر: هنا في "باريس"حيث الحضارة ، الغواية ، الحلم ...
غربة مرة وواقع أمر وسؤال مسيطر حقا ، إذا انتهى المكان "بانهيار هذه البناية التي صمدت لفترة طويلة "ماذا سيبقى من الزمن ؟
كل الشكر والامتنان أستاذي "محمد" ، ارتحلت مع هذا القص الرائع .....مع تحياتي ومحبتي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
البناية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ذكريات الماضي :: -(فضاء الأدب والمسرح)- :: القصة القصيرة و الرواية-
انتقل الى: