الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
المنتدى الجديد انتقل الى موقع اخر www.qa-g.com

شاطر | 
 

 مسرح العبث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوأميمة
المدير العام


الجنس : ذكر
الابراج : العذراء
عدد الرسائل : 1091
تاريخ الميلاد : 11/09/1961
العمر : 55
الدولة : المغرب
الهواية : أستاذ/فنان
المزاج : رائق

مُساهمةموضوع: مسرح العبث   الأحد 26 أبريل - 8:38

مقالة من إعداد :
يوسف السيِّد أحمد
فلسفة العبث ؛ العبثانية ؛ أو فلسفة اللامعقول: (Absurd وتعني هذه الكلمة: النشاز أو اللامعنى وهي من أصل لاتيني ) أما فلسفة العبث كفلسفة فهي مبنية على أساس من الاعتقاد بأن الإنسان موجود في عالم لا عقلاني irrational خِلْو من المعنى meaningless ، وبأن محاولاته التي يقوم بها التماساً للنظام أو بحثاً عنه تجعلُهُ في صراع مع عالمه هذا. ولقد كان الفيلسوف الدانمركي كيركيغارد Kierkegaard أول من اصطنع لفظة absurd بهذا المعنى. ولقد ذهب هذا الفيلسوف إلى القول بأن النصرانية هي عبث من العبث. لأنه ليس في ميسور أيَّما امرئٍ أن يفهمها أو يبرِّرَها، وفقاً لمبادئها التقليدية. ويُعتبر الكاتب الفرنسي ألبير كامو camus أول من أكَّد على هذه الفلسفة، في حقل الأدب، وذلك في روايته "الغريب" L Etranger (عام 1942)

ومسرح العبث الذي بدأ في الخمسينيات من القرن الماضي، برزت فيه أسماء مثل: أوجين يونسكو، صاموئيل بيكيت، وآرثر أداموف، وهارولد بينتر. وتقاربت أعمالهم من أعمال الوجوديين في بعض الجوانب واختلفت معهم في بعضها الآخر، من أمثال: ألبير كامو، وجان بول سارتر.

بداية مسرح العبث:

العبثيون هم مجموعة من الأدباء الشباب الذين تأثروا بنتائج الحروب العالمية، فرأوا أن جميع النتائج التي نجمت عن تلك الحروب كانت سلبية، فقد خلقت نفسية سيطر عليها انعدام الثقة في الآخرين، ونتج عن ذلك انعزال الإنسان الأوروبي وفرديته، إضافة إلى الويلات والدمار المادي الذي طال أوروبا كلها. لقد كان أول ظهور لهذه المجموعة في فرنسا في الثلاثينات من القرن العشرين، قدَّموا حينها نمطاً جديداً من الدراما المتمردة على الواقع، وكانت في الأعمال المسرحية حيث جددوا في شكل المسرحية ومضمونها،

أمَّا مسرح العبث بكامل صفاته فقد ظهر في أوائل الخمسينات من القرن العشرين، وبالذات في العام 1953 عندما طلع علينا الفرنسي الموطن والأيرلندي الأصل صاموئيل بيكيت (1906 – 1989) بمسرحية سماها (في انتظار جودو) (Waiting for Godot ) اتَّسمت بغموض الفكرة وعدم وجود فكرة تقليدية، وانعدام الحل، لما عرضته المسرحية. فكانت رمزية مبهمة للغاية، ولوحظ قلة عدد المسرحيين الذين مثلوها،وكان الزمان والمكان محدودين تقريباً، وترك المؤلف النهاية مفتوحة وبدون جواب، وأثيرت أسئلة كثيرة: من هو غودو؟؟ متى سيصل؟؟ ماذا سيفعل أو يقدم؟؟ وحتى هذه اللحظة لا يزال الجدال قائماً بين النقاد بأن غودو لن يصل.

يُعتبر بيكيت هو سيِّد مسرح العبث بالرغم من صدور أعمال مُبدعة قبله لألفريد جاري Alfred Jarry (1873- 1907) أبرزها ثلاث مسرحيات كلها تتمحور حول شخصية واحدة تدعى "أوبو" وهي بعنوان: (أوبو ملكاً – أوبو زوجاً مخدوعاً – أوبو عبداً ) يُجمع النقاد على أنها كانت الخطوات الأولى لمسرح العبث، وذلك من خلال سخريته اللاذعة للأنماط الفلسفية السابقة، فلم يكن "جاري" يؤمن بالفلسفات المتوارثة التي تفسر ما وراء الطبيعة، كان يرى العالم كمَّاً مجهولاً من الظواهر المتعارضة التي تفتقد إلى المنطق. لذلك ابتدع فلسفته الخاصة التي أسماها (الباتافيزيقية) ساخراً من كل الفلسفات الميتافيزيقية، فقد كانت فلسفة جاري متفرِّدة أحدثت ثورة في المسرح الغربي، وكانت إيذاناً بميلاد حركات تحررية واسعة النطاق. لقد كان جاري متأثراً بالرمزيين إلى حدٍ كبير، فقد بدأ حياته شاعراً رمزياً، والرمزية حركة تجريبية بحتة قامت بإدخال تغييرات جذرية في المسرح سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج. وهو يصف فلسفته قائلاً في مقدمة مسرحيته الأولى: "العلم الذي يشرح منطقة ما بعد الميتافيزيقية، إنها الحلول المتصورة أو الخيالية، ومن خلالها نصل إلى مستوى آخر من مستويات الوجود ونحقق وعياً لا يمكن تحقيقه وبها نصل إلى القوانين التي تحكم العوارض والاستثناءات في الكون بحيث نكتشف العالم الذي يكمل عالمنا التقليدي، إن القوانين التي تحكم العالم ما هي إلا استثناءات متكررة أو حقائق عارضة ليست لها حتى ميزة التفرُّد ، إننا في الواقع يمكن أن نعتبرها استثناءات استثنائية.."

في الحقيقة لم يكن العبثيون في واقع أمرهم مدرسة أو جماعة، وإنما مجموعة من المفكرين والكتاب غلبت على مشاعرهم وأحاسيسهم صفات تشابهت وظهرت في كتاباتهم الأدبية وخاصة في المسرحية منها، لقد جاء تمرد العبثيين على المدرسة التقليدية العريقة التي أرسى قواعدها أرسطو، واضع أسس النقد الأدبي للمسرحية الجيدة، ومحدد عناصر نجاحها في ثلاثة هي: الزمان والمكان والحدث. العبثيون بدورهم ضربوا عرض الحائط بأرسطو وكتاباته ومنهجه، وكل تاريخ المسرح، فتنكروا للعناصر الثلاثة المذكورة، وقرروا أن تكون كتاباتهم في مكان محدود جداً كشجرة (مسرحية في انتظار جودو) أو كغرفة (مسرحية الغرفة) أو كرسي (مسرحية الكراسي) وجعلوا عنصر الزمن غير ذي أهمية تذكر، أما العقدة أو الحدث فلم يجعلوا لها وجوداً في مسرحياتهم، وإضافة إلى ذلك فقد عادوا بالمسرحية إلى الفصل الواحد والعدد المحدود من الشخصيات. أهم ما في مسرح العبث بعيداً عن الزمان والمكان والحبكة هو الحوار، مع أنه كان غامضاً مبهماً مبتوراً تعوزه الموضوعية والترابط والتجانس. كل شخوص المسرحية تتحدث دون أن يتمكن أحد منهم من فهم الآخر. ولا من توصيل رسالته للآخر، الحوار دائماً مبتور ولا تستطيع الشخصيات توصيل رسائلها،وقد بالغ كتاب العبث فجعلوا بعض الشخصيات تتكلم ربما كلمة أو كلمتين عند نهاية المسرحية تلخص السخط العام والغضب الشديد، ثم يصل بنا هارولد بنتر إلى ما هو أصعب من ذلك فنراه يقدم لنا شخصية الأخرس كشخصية رئيسية في مسرحية حملت اسمه (النادل الأخرس).

تعتبر حركة العبث أو اللامعقول والتي سُمِّيت بأكثر من مسمى مثل: الكوميديا المظلمة أو السوداء أو كوميديا المخاطر ومسرح اللاتوصيل، امتداداً لحركات أدبية مختلفة ظهرت لفترات قصيرة في بدايات القرن العشرين، ومنها على سبيل المثال السريالية، وهي حركة أدبية فنية عبرت بقوة عن غضب الشباب من التقاليد السائدة في تلك الفترة.ثمَّ حركة الشباب الغاضب وهي أيضاً حركة فنية أدبية يدل اسمها على الكثير من طريقة تفكير أصحابها بل ومن أشهر مسرحياتهم (أنظر خلفك في غضب) تعبيراً عن غضبهم من الحروب العالية ونتائجها غير الإنسانية. لقد ازدهرت هذه الحركات التي عبرت عن مفاهيم ثائرة على القيم الفنية والأدبية في القرن العشرين. وكان ظهورها واضحاً جلياً بعد الحروب العالمية في محاولة للتعبير الصارخ عن التمرد الاجتماعي على الحروب الدامية وما فيها من مصائب وما تبعها من ويلات وأهوال. وما خلَّفته من القتلى والجرحى والدمار.

بدت مسرحيات العبثيين في البداية وكأنها بلا خطة ولا هدف، كما أن نهاياتها غير واضحة المعالم وغير محددة وتعطي انطباعاً أو شعوراً بأن مصير الإنسانية غير معروف، وتجدر الإشارة أن رائد العبثيين صاموئيل بيكيت حاز على جائزة نوبل للآداب لما قدَّمه من جديد في عالم الأدب، ومن أبرز كتّاب العبث أيضاً يوجين يونسكو البلغاري، وآرثر أداموف الروسي، وجان جينيه الفرنسي، ثم هارولد ينتر الانجليزي.ثم هناك جيل ثان تمثل في سيمبسون الانجليزي وادوار ألبي الأمريكي، وتوم ستوبارد الانجليزي.

الوجودية ومسرح العبث:

تأثَّر مسرح العبث بشدة بالفلسفة الوجودية (وهي تيار فلسفي يعلي من قيمة الإنسان ويؤكد على تفرده، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجِّه) حيث الإغراق التشاؤمي واغتراب الإنسان، والإيمان المطلق بالوجود الإنساني المفرد، ذلك بعد الثورة على الحكم الكنسي الذي سيطر على أوروبا في القرون الوسطى وتأثير الحرب العالمية الثانية على المجتمع الأوروبي، هذا وبالرغم من التأثر الواضح بالفكر الوجودي لكتّاب مسرح العبث ومنهم بالتحديد صاموئيل بيكيت إلا أننا نرى تقارباً مع المسرح الإغريقي في رؤيته للمطلق أو القدر، فالمطلق في المسرح الإغريقي يفرض نفسه على الأحداث حضوراً، إلا أنه في مسرح العبث فهو المفروض غيباً كما في مسرحية بيكيت "في انتظار جودو" فجودو هنا هو المطلق الذي ينتظره بطلا العمل المسرحي، كما نجد تقارباً في شاعرية مسرح العبث وإن كُتبَ نثراً، فهو مسرح يعتمد على الاستعارة الشعرية التي توحِّد بين مستويات التجربة وعناصرها المتباينة في رؤية شاملة تبلور القانون العام الذي يحكم الأشياء في كليتها، فالمهيمن العام في المسرح الإغريقي هو القدر، فأصبح في مسرح العبث هو غياب القدر أو "جودو" أو "المطلق" . على عكس (هارولد بينتر المولود في العام 1930) وهو آخر العبثيين، ويعتبر أنه يمثِّل مسرح العبث أو اللامعقول بكل مبناه ومعناه وشكله ومضمونه، ولغته المحكية ولغته الصامتة، والحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 2005) الذي آمن بمطلق آخر هو النظام الاجتماعي الذي يستعبد الفرد، فرؤية بينتر تقترب من مقولة (جان بول سارتر 1905-1980 وهو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي، من أركان الفلسفة الوجودية، منح جائزة نوبل للآداب في العام 1964) حيث يقول: "الجحيم هو الآخرون" هي في حقيقة الأمر رؤية انهزاميه إلا أنها تعبر بشكل واضح عن الرؤية الفلسفية للمسرح العبثي.

السخرية في لغة مسرح العبث:

اعتقد العبثيون أن اللغة فشلت في التواصل الإنساني، وعجزت عن تحقيق علاقات جيدة بينهم، فاتخذوا من السخرية وسيلة للتعبير، وتعتبر المحاكاة الساخرة من الأدوات الفنية الأكثر حضوراً في (مسرح العبث) والهدف منها كشف النقاب عن الوجه الحقيقي للبشر من خلال هذه التقنية التي تكشف أن التجانس بين الناس ظاهري فقط، أمَّا في العمق، فإن هناك شرخاً كبيراً يفصل بين كل واحد منا. والسبب في ذلك هو هذه المدنية العشوائية التي دمَّرت كل القيم الإنسانية الفاضلة، وأقصت العلاقات المبنية على التعاون والتآزر، فأصبحت المحاكاة الساخرة وسيلة لفضح زيف هذا المجتمع، وهو مدعاة للسخرية والتهكم. لذلك نرى أسماء الشخصيات مثلاً في مسرحية "لعبة النهاية" أو "نهاية اللعبة" لبيكيت، أن الأسماء تبعث على السخرية، فالبطل مثلاً اسمه: (هام) وتعني بالانجليزية (فخذ الخنزير) كذلك يمكن اعتبارها اسم (حام) أصغر أبناء نوح في مفارقة لغوية لا تخلو من السخرية وفي الوقت نفسه تترجم على أنها الممثل البارع، وشخصية (نيل) الذي يعني الصفر أو لا شيء، وهكذا باقي الشخصيات أسماؤها لا تخلو من إيماءات لفظية ساخرة،كما أنها معبرة بشكل كبير عن شخصيات العمل المسرحي وتناقضها لتوضيح الفجوة الكبيرة بين تطلعات الإنسان وحياته التي تبدو تافهة بلا قيمة. كذلك نرى يوجين يونسكو في مسرحيته (ماكبت Macbett ) يستخدم التقارب السمعي للفظ في سخرية واضحة من مسرحية شكسبير (1564-1616) وهو أعظم شعراء الانكليز) الشهيرة (ماكبث Macbeth ) كما لمّح يونسكو عن العبث الكامن في اللغة من خلال استخدامه لمفردات لغوية تقليدية بتسلسل مغاير لما اعتاده المجتمع، كأنها أصبحت خاوية من محتواها الحقيقي.

وفي مسرحية "البينج بونج" لأداموف، مثلاً نجد بطليها (آرثر و فكتور) يهبان حياتهما لشيء، إلى طاولة اللعب الواعدة بالمال والقوة والنساء... فتحولت الآلة بذلك من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها، إذ عجز البطلان عن الحب والانتماء والإبداع، وبذلك صارت هذه اللعبة صورة رائعة لاغتراب الإنسان من خلال عبادته لموضوع أو فكر زائف. ويذهب رولان بارت (1915-1980) فيلسوف وناقد فرنسي) في تحليله للغة هذه المسرحية إلى أن: "المحاكاة الساخرة للغة طبقة أو سلوك ، هي أيضاً التوفر على مسافة معينة، والتمتع كذلك بأصالة معينة.

وقد استعمل كتاب العبث الرمز أيضاً، كما هي الحال في مسرحية (في انتظار جودو – لصاموئيل بيكيت) فهي ترمز إلى العلاقة الغير متكافئة بين السيد والعبد، وانتظار الخلاص من (جودو) الذي قد يأتي أو لا يأتي.

ويمكننا القول أن طاولة (البينج بونج) عند أداموف هي رمز لتمسرح الحياة وتقنعها على شكل لعبة بسيطة يعتبر الإنسان فيها بمثابة الكرة الصغيرة التي لا تتوقف جيئة وذهابا بين اللاعبين. وبهذا يرى رولان بارت الناقد الفرنسي أن هذه الطاولة لا ترمز إلى شيء على الإطلاق، ولا تعبر عن شيء، فما هي إلا توليد لبعض الحالات انطلاقاً من طابعها الموضوعي. أما نعيم عطية (الناقد المصري المعروف) يقول: أن لجوء كتاب مسرح العبث إلى الرمز كان الهدف منه هو: تجسيم عوالم جديدة لم تُطرق من قبل، وهكذا تبدو الحياة من خلال الأسلوب الرمزي حلماً والواقع مسرحاً كبيراً.

وقد لجأ بعض رواد (مسرح العبث) إلى المزج بين الكوميديا والتراجيديا لتتولد عن ذلك (التراجيكوميديا) أو الملهاة السوداء وهي: (المسرحية التي تدفع المتفرج قدماً بإثارة العقل أو القلب ثم تشتته وتحيره بحيث يضطر مرة تلو الأخرى إلى أن يعيد النظر في فاعليته الخاصة في مشاهدته للمسرحية، وفي التشنجات الخنوعة المذلة، تضاعف المسرحية طاقتها وتكتسب صورة المسرحية وجهاً لوجه، وهذا التوتر هو نوع من السخرية المسرحية، والسخرية هي سلاح يونسكو المفضَّل ، سخرية من العلاقات الاجتماعية والعائلية واللغة والمسرح نفسه الذي أدار له رواد (مسرح العبث) ظهورهم ليكتبوا مسرحاً مضاداً مكوناً من مسرحيات مضادة، وما دام الموضوع هو الذي يحدد المنهج وليس العكس، فإن تطرق هذا المسرح لموضوعات تتعلق بالوضع المأساوي للإنسان بشكل عام استلزم إحداث تغيير جذري على مستوى القوالب الفنية المتوارثة عن المسرح الكلاسيكي.

يقول محمد غنيمي هلال متحدثاً عن علاقة المضمون بالشكل عند العبثيين: "ومسرح العبث أو ما يسميه البعض من نقادنا (مسرح اللامعقول) ذو معنى مزدوج: فموضوعه من ناحية عبث الوجود أو "رهبة الفراغ" في الكون، رهبة يعيها العقل، ومن الناحية الأخرى يقوم بتصوير الوعي الحاد العبث، لا عن طريق المنطق الأرسطي، بل عن طريق تجارب معزولة تتصل بأعماق النفس المرتاعة أمام مأساتها الهائلة اللامعقولة، أي المستعصية الإدراك.

وبالفعل ، فقد ثار رواد (مسرح العبث) ضد المسرح الأرسطي وأدبياته المعروفة، كما أسلفنا، حيث لم يعد هناك وجود لحكاية ذات بداية ونهاية وعقدة وحل... وإنما صار الأمر متعلقاً بعرض أفكار بشكل غير متسلسل وغير منطقي، فقد تجد بداية لمسرحية، لكنك لا تجد لها نهاية، كما يمكن للمسرحية أن تتضمَّن عقدة أساسية وعقداً فرعية ولكنها تظل كلها بلا حل، كما هي الحال في مسرحيات (الكراسي) و (المغنية الصلعاء) و(نهاية اللعبة) و (الخراتيت).

ودور المرأة في مسرح العبث يكون دوماً أقل أهمية من دور الرجل، وتكون المرأة أكثر كآبة من الرجل، لما تعانيه من اضطهاد اجتماعي واضح.

تلك العناصر التي تؤدي إلى غياب التفريق بين الحقيقة والوهم، وتؤدي أيضاً إلى عدم ثقة الشخصيات في المسرحية ببعضها البعض، كما أنها تبين بما لا يدع مجالاً للشك غياب الحلول الفعلية لكثير من المشاكل وعدم القدرة على مواجهة الأمر الواقع مع حيرة مستمرة وقلق متواصل، وخوف متجدد من ماهية المستقبل، وكيف سيكون؟

يعتبر مسرح العبث بالنسبة للأوروبيين مهماً للغاية، لأنه يعكس واقعهم الاجتماعي المؤلم، ومن أهم المشكلات التي يعرض لها: معضلة الفردية، فالأوروبي يعيش رغم حضارته المادية والتقدم العلمي، فردياً ومنعزلاً، نتيجة لعدم قدرته على بناء علاقات إنسانية اجتماعية أساسية ورصينة مع الآخرين. فالمادة هناك هي المقياس الأول، وهي المعيار والمحك.

المسرح العربي والعبث:

اختلفت نظرة الكتاب العرب لمسرح العبث عن رواده من الغربيين، فكتب الشاعر صلاح عبد الصبور في نهاية مسرحيته (مسافر ليل) : "لقد ظلمت كلمة اللامعقول حين ألقاها بعض نقاد المسرح الحديث كثيراً، إنه مسرحاً لامعقولاً، بمعنى أنه مجاف للعقل، ولكن بمعنى أنه مجافٍ للقوالب العقلية المسماة بالمنطق، ومن هنا فهو يخضع للعقل العام، حتى كلمة العبث تبدو كلمة مخيبة للثقة، من يستطيع أن يعبث في هذا العصر الذي نعيش فيه حتى لو كان ذا نفس عبثية؟ لنميزه إذا باختلافه عن سبيل منطق العقل إلى سبيل روح العقل..."

استخدم صلاح عبد الصبور الشعر في كتابته للعمل المسرحي "مسافر ليل) لقناعته أن العلاقة بين الشعر والمسرح علاقة خصبة متفقاً في ذلك مع كتاب مسرح العبث أمثال: بيكيت وبنتر وشحادة، كذلك عند غير العبثيين من أمثال: ت.س.إليوت وكريستوفر فراي. وهنا يقول صلاح عبد الصبور عن اختياره الشعر لمسرحيته: (نحن العرب) أغلب ظني أننا ما زلنا نتلمس الطريق، وقد كانت مسرحيتي هذه حَرِيَّـة بأن تُكتب نثراً، ولكنني أظن أنها عرضة لأن تفقد الكثير).

أما توفيق الحكيم في مسرحيته "يا طالع الشجرة" استخدم البيئة الشعبية كجو عام لمسرحيته في محاولة لتقريب مفهوم وشكل المسرح العبثي للقارئ العربي، حتى في اختياره لاسم المسرحية عمد لأن يكون قريباً من البيئة الشعبية المصرية من خلال استرجاعه لأغنية شعبية فولكلورية على اسم العمل المسرحي نفسه، ويقول في تقديمه للمسرحية: "إن عصر البحث والكشف في العلم عن أسرار علمية جديدة، قد جعل الفن يشعر بالغربة عن هذا العصر إذا لم ينهض هو أيضاً ليبحث ويكتشف". من هذه الجملة نستشف أن الحكيم أراد اكتشاف أبعاد جديدة في مسرحه.

كما لا ننسى تجارب محمد سلماوي في مسرحيته "فوت علينا بكرة" أن يقدِّم صورة عبثية لواقعنا المعاش في بناء درامي حافظ فيه على قواعد الصراع، إلا أنه ركَّز على عدم منطقية الأفعال بالنسبة لشخصيات العمل المسرحي خاصة الممثلين لفريق الموظفين، كذلك التضخيم في قطع الإكسسوار والديكور ليذكرنا على الفور باستخدام يونسكو للأسلوب نفسه في مسرحيته (الخرتيت) فجاء (ختم النسر) وهو هنا يرمز به للقهر مجسماً كبيراً يشغل مساحة كبيرة من خشبة المسرح.

إذاً، العبث كما نراه ليس عبثاً بل فكراً وتساؤلاً، ففي المسرح الغربي إذا كان للوجود معنى موضوعي يمكن أن ندركه، ففي المسرح العربي عبثية الواقع أو واقعية عبث الحياة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fouadabou.co.cc
ابو يوسف رضا
مبدع مميز
مبدع مميز


الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد الرسائل : 1263
تاريخ الميلاد : 15/07/1964
العمر : 52
الدولة : تونس
الهواية : مهندس \ المطالعة و السفر
المزاج : عقلاني و عاطفي

مُساهمةموضوع: رد: مسرح العبث   الجمعة 1 مايو - 0:37

العبث هو غرق في الحاضر و انسلاخ عن الماضي وانقطاع عن المستقبل
العبث هو الادراك دون معرفة السبب و النتيجة
العبث هو قبول الكون كما هو مع تضخيم الانسان ككائن حي يعيش لياكل لا ياكل ليعيش
دور الانسان هو معرفة القوانين التي تتحكم في الكون و مسايرتها و توضيفها لصالحه
هذه الموجة العبثية ظهرت كنتيجة للحرب العالمية الاولي و بقية الحروب وهل الحروب غير العبث
من العبث ظهرت علينا نظرية الفوضي الخلاقة التي زلزلت ثوابت العالم وقهقرته الي الوراء
مشكلة الوجودية و العبثية انهما يريدان تحويل الانسان الي الاه ومركز للكون
الاديان كرمت الانسان وجعلته خليفة في الارض حاملا رسالة لها اهداف
الموضوع هام و يحتاج الي تفكير و تمحيص
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبوأميمة
المدير العام


الجنس : ذكر
الابراج : العذراء
عدد الرسائل : 1091
تاريخ الميلاد : 11/09/1961
العمر : 55
الدولة : المغرب
الهواية : أستاذ/فنان
المزاج : رائق

مُساهمةموضوع: رد: مسرح العبث   الجمعة 1 مايو - 1:22

رأي يحترم
ويبقى قابلا للنقاش
شكرا لمرورك أخي أبويوسف

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fouadabou.co.cc
 
مسرح العبث
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ذكريات الماضي :: -(فضاء الأدب والمسرح)- :: أبو الفنون-
انتقل الى: